Sociable

الاثنين، 2 يوليو، 2012

فتى من أدغال الهند



قبل أكثر من عام  تقريبا  اتخذ رئيسي بالعمل قرار بجلب اشخاص غير سعوديين للعمل معنا وكان الوظائف المطلوبة اثنان يعملون ربط حبال السفن و الاهتمام بنظافة وصيانة الميناء و واحد سيعمل معنا في غرفة التحكم لإدارة الميناء .
لم تكن  المتطلبات للعمل في ربط الحبال كبيرة فقط اجادة اللغة الانجليزية و دورة في الأساسيات البحرية ، اما الوظيفة الأخيرة  فكانت تتطلب خبرة سابقة في مجال العمل ، فوقع الاختيار أو بالأصح اجبرت الشركة التي ستقوم بإحضار الموظفين  على اختيار ثلاثة اشخاص وهم  "إيرا , بريف , ايفي ".  إيرا  و بريف لربط الحبال  و ايفي لإدارة الميناء .
وكان هناك شرط على الجميع قبوله للقبول في هذه الوظائف وهو العائق الأساسي في عدم توظيف السعوديين فيها ، وهو البقاء في مكان العمل لمدة ثمانية عشر شهرا  متواصلة  وذالك بسبب ان تأشيرة العمل ستكون تأشيرة بحار و القانون في المملكة العربية السعودية يمنع البحار من دخول البلد إلا للحالات الطارئة فقط .
حضر الاشخاص وكان هناك مكان مجهز لهم مسبقا وهي غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 3X4 ، بدا كل منهم التعلم على عمله  ونظام عملهم هو اثنا عشر ساعة باليوم .
ايفي و بريف كانا شخصين من سكان المدينة فالأول من العاصمة دلهي و الثاني من احد مدن الشمال في الهند  فقد عاشا تقريبا حياة ابناء المدينة وتطوراتها ، اما  إيرا  فقد اتى من احد القرى في شمال الهند القريبة من بوتان  وكانت في صراع من الحكومة الهندية لسنوات طويلة لأمور داخلية وسياسة . ابناء المدينة وضح عليهم التذمر و الاحساس بالغربة فكانا دائما عندما يتحدثان معي يتذكرون ايامهم في الهند وما كانا يقوما به  هناك وتذكران الاصدقاء و المغامرات باشتياق للعودة مما يجعلهم في بعض الاحيان لا يطيقان العمل ويفكران  بإنهاء العقد و العودة للوطن .
إيرا ،،
شاب في الثالثة والعشرين من عمرة  من مقاطعة اوسام في شمال الهند يسكن قرية تعتبر في ادغال الهند  حيث انها مازالت على طبيعتها لم يغزوها العمران و لا التطور  رغم وجود مصنع لتكرير البترول في مدينه اوسام إلا ان القرى القريبة من المدينة قاومت كثيرا  ضده فهم اناس لا يريدون تغير حياتهم ابدا فقد اعتادوا على التعايش مع الطبيعة و كائناتها الموجودة ويعلمون ان هذا الغزو المدني سيدمر طبيعتهم ويقضى على الحياة  النباتية و الحيوانية ، لذا هم في معزل عنها .
إيرا يعتبر واحد من عشرة ألاف من الذين يخرجون من القرى للمدينة لإكمال تعليمهم ، هذا ما ذكره لي صديقي عبد الرحيم  هندي الجنسية وهو يعمل معنا ايضا ، فهو دائما ما يلقى النكت على  إيرا  ويصفه بأنه رجل الادغال  .
إيرا لم اره يوما يتذمر من المكان فكان تأقلمه سريع جدا  مع البيئة الجديدة حتى انه اصبح يجيد بعض من اللغة العربية على عكس ايفي وبريف ، كنت الحظ عليه رغبته في تعلم كل شيء سؤاله عن كل ما يحدث حتى انه اصبح يهتم بكرة القدم و هي الرياضة التي لا يعيرها الهنود أي اهتمام  ، تعلم صيد الاسماك و كان يقوم بصيد الطيور بطريقته الخاصة التي تعلمها في قريته وهي  مصدر طعامه في ذالك المكان ، يحكي لي ان سكان قريته مازالوا يعيشون بهذه الطريقة  ويقول مازحا انه اذا عاد ربما سيطردونه من القرية لأنه جلب معه  افكارا و اطباعا من المدينة ، هذا الشاب كلما اراه ارى الامل في الحياة  فلم اراه يوما عابس الوجه حتى وهو يحكي لي عن حدث اساء به شخص ما له يقولها وهو يضحك حتى انني اصبحت اعتقد انه لا يملك أي احاسيس  او مشاعر في بعض الاوقات .
عندما يصاب كل من ايفي و بريف بمرض بسيط تراهم بوجوه منهك يطلبون الراحة و الادوية  مثلنا تماما ، اما  إيرا  فتراه يضع بعض من الدويه بطريقة غريبة مختلفة عن طريقة استعمالها و يكمل يومه بشكل طبيعي دون أي شكوى لأي شخص وعندما اقول له اذهب لترتاح ولا تعمل اليوم يجيب مبتسما انه مجرد مرض بسيط وقد يستمر لعدة ايام و سيزول لا تقلق ، اتعجب منه فانا لو شعرت اني سأصاب ببرد اذهب بأسرع ما لدي لأقرب مستوصف ليعطيني اجازة طبية .
فهذا الشاب رغم ظروف الغربة التي يعيشها و مكان العمل الذي لم يغادره منذ اربعة عشر شهرا  في كل يوم اذهب الي العمل يخبرني هو او احد الاصدقاء عن قصه جديدة عنه وغالبا ما تكون هذه القصة مضحكة جدا فهو يتصرف بعفويه غريبة  تراها احيانا نوعا من الغباء . 

مازال  إيرا  يعمل معي ولكن سيرحل قريبا بعد ان اكمل اربعة عشر شهرا حتى الان ، ما دعاني الي كتابة هذه التدوينه اني قرأت في كاتب الاستاذ ياسر حارب  "بيكاسو و ستاربكس" موضوع " "" "الذكريات في حضرة الموت" ، فشعرت اني سأفقد شخصا ارى انه مصدر سعادة لي في العمل فلا اتخيل ان اذهب يوما الي العمل من غير ان اسمع قصه جديدة عن  إيرا  ومغامراته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق